تأمّلات من مشاهدة صفّ الثاني الابتدائي عبر التعلّم عن بُعد — ثلاث ممارسات تربويّة في صفّ أستاذ هاشم العرادي.
ثلاث ممارسات تربويّة في صفّ أستاذ هاشم تكشف فكرة واحدة من زوايا مختلفة: كيف يُدار سلوك الطلاب، وكيف نُعلِّمهم المسؤوليّة، وكيف نُشجِّعهم على المبادرة.
قواعد واضحة تُغني عن التذكير المستمرّ، وتجعل السلوك الجيّد عادةً طبيعيّة.
إعطاء المسؤوليّة لمن يحتاج تعلُّمها، لا مكافأةً للطلاب المتميّزين فقط.
فتح مساحة للطلاب وتخصيص وقت من الحصّة لعرض ما يصنعونه ويبحثون فيه.
إدارة السلوك هي أساس أي حصة ناجحة. لفت انتباهي أنّ أستاذ هاشم صمّم موقعاً خاصاً اسمه (راصد) لهذا الغرض، وهذا يدلّ على أنّه يأخذ الموضوع بجدّية — خاصّةً أنّ كاميرات الطلاب مغلقة، وهذا يحرمه من رؤية وجوههم ومتابعة سلوكهم.
تساعد المعلّم على تنظيم الصفّ مسبقاً بدل أن ينتظر حدوث الفوضى ثم يتعامل معها.
الطالب الذي يلتزم بقناعته يحمل الالتزام خارج الحصّة؛ الذي يُلزَم به يتركه فور انتهائها.
سُحب اسم «محمد» كطالب سرّيّ عبر موقع راصد — وهو طالب قليل المشاركة. في نهاية الحصّة سأل الأستاذ الطالبَ الساحب: «هل كان مشاركاً؟»، أجاب: «شويّ بس». لم يحصل محمد على نقاط.
في الحصّة التالية، كان محمد أكثر انتباهاً ورفع يده مرّتين. عدم حصوله على نقاط لم يكن عقاباً — كان رسالة واضحة وصلته من زميله، لا من المعلّم.
يطلب الأستاذ من الطلاب رفع اليد الرقميّة في Teams قبل أي إجابة شفويّة. من يتحدّث بدون إذن، يُذكَّره بلطف: «ارفع يدك أولاً». لا عقاب ولا رفع صوت — تنبيه لطيف فقط.
خلال ٣ أسابيع، صار رفع اليد عادةً طبيعيّة في الصف. قلّ التداخل الصوتيّ، وتعلّم الطلاب أنّ المشاركة حقّ، لكن بعد أخذ الإذن.
المثالان يشتركان في شيء واحد: كلاهما نظام، لا مجرّد لحظة. راصد يحوّل التعزيز إلى شيء ثابت، ورفع اليد يحوّل المشاركة إلى عادة. الطفل الصغير لا يستجيب للتذكير المتكرّر، لكنّه يستجيب حين تصبح القاعدة جزءاً من يوميّات الصف.
حين أدرّس، سأضع قاعدة واضحة على الأقلّ في كل حصّة تُغنيني عن التذكير بالكلام. كلّما كانت القاعدة مرئيّة ومُرتّبة، قلّ جهدي في الإدارة وزاد وقتي للتعليم.
المسؤوليّة لا تُعلَّم بالوعظ والكلام — تُعلَّم بتجربة الطالب لها بنفسه. الطريف أنّ أستاذ هاشم يُعطي بعض الأدوار للطلاب الذين يحتاجون تعلُّم المسؤولية، لا فقط للمتميّزين. هذا عكس المتوقّع.
أعطى الأستاذ دور «الساحب» لطالب قليل الالتزام اسمه «حسين». طلب منه الدخول مبكّراً، والسحب من الموقع، ومراقبة الطالب السرّيّ، ثمّ تقديم تقرير أمام الصفّ.
تغيّر سلوك حسين شيئاً فشيئاً — ليس لأنه حصل على مكافأة، بل لأنه أصبح هو المسؤول عن تقييم زملائه. من الصعب أن تلوم زميلاً على شيء أنت نفسك تفعله.
في درس جدول الضرب للعدد ٢، طلب الأستاذ من طالب متميّز اسمه «علي» أن يشرح جزءاً من الدرس. جهّز علي شريحة في البيت، وشرح فكرة «الجمع المتكرّر» بمثال علب البيض.
حمل عليٌّ مسؤوليّة تعليم زملائه — لا مسؤوليّة سلوكيّة فقط. كان مسؤولاً عن أن يفهموا منه. تفاعل الصفّ كان أعلى لأنّ لغة علي أقرب إلى لغتهم.
تغيير الدور يُغيِّر السلوك — لا التوبيخ ولا الكلام الكثير. مستقبلاً: سأعطي الأدوار أحياناً لطلاب غير متوقَّعين، ولن أحصرها في المتميّزين، لأنّ هذا يحرم من يحتاجها من أهمّ درس.
الطفل وراء شاشة وكاميرا مغلقة يميل إلى الاكتفاء بما يُطلب منه فقط. حين يُخصّص الأستاذ وقتاً من الحصّة لأعمال الطلاب، فهو يقول لهم بطريقة غير مباشرة: ما تصنعونه يستحقّ أن يُسمع. هذه المبادرة ليست صدفة، بل نتيجة تخطيط.
في درس المغناطيس، شجّع الأستاذ الطلاب على صنع أدواتهم في البيت. خصّص وقتاً ليعرض كلّ طالب أداته عبر الكاميرا: بوصلة بسيطة، لعبة جذب، سيّارة تُحرَّك من خلف ورقة.
حين يعرف الطلاب أنّ وقتاً مضموناً سيُخصَّص لعرض أعمالهم، يهتمّون بالتحضير. حتى الطلاب قليلو المشاركة عرضوا أدواتهم بحماس. الكاميرا فُتحت لهذه اللحظة فقط.
طلب الأستاذ من كلّ طالب بحثاً فرديّاً عن استخدامات المغناطيس، ثمّ خصّص نصف الحصّة التالية لسماع النتائج. بحوث متنوّعة عن: الأبواب، السمّاعات، البطاقات البنكيّة، القطارات، الأدوات الطبيّة.
رسالة قويّة وصلت للطلاب: بحثكم مهمّ بحيث يستحقّ نصف حصّة كاملة. كان هذا تقديراً لأنّ وقتهم خارج الحصّة يساوي وقت المعلّم داخلها. تفاوتت البحوث في الجودة، لكن لم يأتِ طالب بلا بحث.
الوقت الذي يخصّصه المعلّم لأعمال طلابه هو أصدق تعبير عن تقديره لهم. أن تقول «أبدعوا» ثمّ تعطي ٣٠ ثانية = رسالة. أن تعطي نصف حصّة = رسالة مختلفة تماماً.
لن أطلب من طلّابي مبادرة إلّا إذا حجزت لها وقتاً معروفاً من قبل. وسأقاوم رغبة اختصار وقت عرض أعمالهم لإضافة شرحٍ أكثر — لأنّ ما يعرضه الطالب قد يُعلّم الصفّ أكثر ممّا أشرحه أنا.
النقاط الثلاث قد تبدو مختلفة، لكنّها تدور حول فكرة واحدة: المعلّم الجيّد لا يُدير الصف بالكلام، بل يصمّم له قواعد خفيّة تُخرج أفضل ما عند الطلاب. قاعدة رفع اليد، دور مقلوب في راصد، نصف حصّة لبحوث الطلاب — كلّها قرارات مدروسة، لا صدفة. الصف ليس بيئةً تحدث؛ بل تُصنع.
لأستاذ هاشم العرادي على فتح صفّه، وللدكتور شعبان الدبوس على متابعته وتوجيهه.
أرحِّب بأيّ سؤال أو ملاحظة تُثري هذه التأمّلات.